الاستاذ الذي يصمم السفينة كان يأخذ اربع روبيات في اليوم. القلاف الذي ينشر الخشب وينفذ التصميم يأخذ روبيتين. الضراب الذي يجمع الالواح ويدق المسامير يأخذ روبية ونصفا. والصبي الذي يجمع بقايا الخشب من تحت اقدامهم من الصباح الى المغرب لا يأخذ شيئا.
هذه كانت خريطة الاجور في مهنة القلافة، صناعة السفن الشراعية، حين كانت الواجهة البحرية للكويت ورشة مفتوحة قبل النفط.
ستة مواقع في الورشة
لم تكن الورشة جماعة من النجارين. كانت سلما واضحا، لكل درجة اسمها وعملها:
- الاستاذ. المصمم والمشرف. التجار والنواخذة كانوا يتنافسون على اشهرهم، ولا يكتفون بذلك: كثير منهم كان يصطحب الاستاذ معه في رحلة السفر الطويلة نفسها، لان وجود من يعرف السفينة من عظمها الاول يغير حسابات الخطر في عرض البحر. ومن ابرزهم احمد بن سليمان، الذي لقب بشيخ الاستاذية وكان له حوض خاص لبناء السفن.
- المقدمي. الساعد الايمن. يشرف مكان الاستاذ في غيابه، ويتدرج حتى يصير استاذا بدوره.
- القلاليف. النجارون. يترجمون تصميم الاستاذ الى قياسات ويقطعون الخشب عليها.
- الضرابون. يجمعون الالواح المقطوعة ويثبتونها بالمسامير الحديدية.
- المزروي. يحمل الخشب وينقله بين ايدي الجميع.
- الوليد. الصبي. يجمع القشبار، وهو ما يتساقط من صغار بقايا الخشب، ويساعد من يطلبه. لا اجر له. عند تسليم السفينة يعطيه صاحبها ما تجود به يده.
الوليد هو التفصيل الذي يستحق التوقف. المهنة لم تكن تدفع لمن يتعلمها. كانت تطعمه وتعلمه، ثم تتركه ينتظر كرم صاحب السفينة في اخر يوم.
الاتفاق قبل اول لوح
قبل ان يقطع خشب واحد يجلس التاجر او النوخذة مع الاستاذ. والاتفاق كان يجري على واحد من نظامين:
نظام اليومية: اجر يومي يدفعه صاحب السفينة لكل عامل، ويسجل في دفتر خاص.
نظام القنطرة: مبلغ مقطوع للاستاذ، وعليه هو ان يجلب الخشب والمواد وان يدفع اجور رجاله. اي ان الاستاذ هنا مقاول لا اجير، ويتحمل هو فرق التكلفة.
كم كانت تكلف وكم كانت تستغرق
جالبوت الغوص كان يكلف بين الف روبية والفين. اما بوم السفار، السفينة الكبيرة التي تقطع الى الهند وشرق افريقيا، فبين عشرة الاف واحد عشر الفا، وبعضها بلغ خمسة عشر الفا، ووصل بعضها الى خمسة وعشرين الفا.
والمدة، بحسب ما نقل عن الاستاذ علي بن عبدالله بن عبدالرسول: الجالبوت نحو ثلاثين يوما، وبوم السفار الكبير نحو ثلاثة اشهر ونصف. وفي المتوسط كان يعمل على السفينة الواحدة خمسة عشر او ستة عشر رجلا، بينهم الحداد.
اربع وجبات في اليوم
العمل من شروق الشمس الى غروبها بلا توقف، عدا الصلاة والطعام. والطعام على صاحب السفينة، اربع وجبات مرتبة بالساعة:
- الريوق الاول عند السادسة صباحا: خبز ولبن وشاي.
- الريوق الثاني عند الثامنة: لبن وخبز وتمر.
- الغداء عند الواحدة: عيش ومعه لحم او سمك.
- العشاء بعد الغروب مباشرة، مثل الغداء.
وجبتا افطار قبل الظهر ليستا رفاهية. هما حساب عملي لرجل يحمل خشبا ثقيلا تحت شمس اغسطس.
لماذا كانت سفن الكويت افضل
الخشب كله مستورد من الهند، يجلبه التاجر او النوخذة على حسابه ليخفض التكلفة. وبعض السفن الكويتية كانت تبنى في الهند نفسها باشراف استاذ كويتي.
ومع ذلك كان المبني في الكويت يفضل. والسبب الذي كان يذكر ليس في اليد الصانعة وحدها بل في الجو: الخشب يترك معرضا لشمس الكويت مدة طويلة فيجف جفافا يكسبه صلابة لا يبلغها الخشب نفسه في مناخ رطب.
اي ان ميزة الكويت التنافسية في اقسى ما فيها. الحر الذي كان يتعب الرجال كان يقسي الخشب.
الصورة: سفن خشبية في ميناء الكويت — تصوير Zairon عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 4.0. الصورة معاصرة ولا تمثل ورش القلافة القديمة.
مراجع للاستزادة: منتدى تاريخ الكويت — قسم التاريخ البحري، وفيه شهادة الاستاذ علي بن عبدالله بن عبدالرسول عن مدد البناء والاجور.
خذ الكويت في بريدك
نرسل لك مرة في الاسبوع اهم ما نشرناه: اجراءات تهمك، اماكن تستحق، وحكايات من ذاكرة البلد.
بالاشتراك توافق على استلام النشرة. يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

