ذاكرة الكويت

سوق بن دعيج: من دكان الحلوى في قلب البلد الى مصنع الرهش في الشويخ

سكة مسقوفة طولها اكثر من كيلومتر، فيها بائع بقصم وكتاب ملا وسمكري وحلاق. وواحد من محالها ما زال يفتح، لكن بعنوان شارع.

يسميه بعض الكتب «سوق بن دعيج» ويسميه بعضهم «سكة ابن دعيج»، والمكان واحد. اسسه محمد بن دعيج سنة 1857، واوقف فيه سبيل ماء مجاني، وكانت بيوت العائلة وديوانها فيه، ومحاله تبيع الاقمشة المستوردة.

الشكل

سكة ضيقة مسقوفة يزيد طولها على كيلومتر، سقفها خشب وصفيح مموج، والمحال على جانبيها. وما لم يسقف منها كان يمتلئ ماء وطينا في المطر. تمتد شرقا من دروازة بن عبدالرزاق، وكانت تسمى المدفع، غربا الى براحة ابن الدعيج، فهي معبر بين حيين كبيرين.

من كان فيها

في جرد اجراه محمد علي الخرس لمركز رعاية الفنون الشعبية، نشر في مجلة «تراثنا» عدد خمسة سنة 1997، تظهر السكة كما كانت بين 1940 و1950: بائع حلوى الرهش والبقصم، وفهد التناك السمكري، وكتاب الملا زكريا الانصاري، وباعة الخضار والملح، وخياطون وحلاقون وباعة بخور وشربت.

من هنا يبدا الحلواني

محمد جعفر جاء من ايران سنة 1957 وعمره اثنتا عشرة سنة، ويقول في حديثه لصحيفة «الراي»: اول شيء عملته هو بحثي عن محلات الحلويات، فذهبت الى سوق دعيج اسال واشاهد. اي ان السكة كانت العنوان الذي يقصده من يريد ان يتعلم الصنعة.

ويسمي من عرفهم: عبدالنور، وكان بيته لا يصنع غير الغريبة ويدفع كل عشرة ايام؛ وعبدالله الحلواني وله محل في شارع الاستقلال؛ وراشد جمعة بوفتين الذي انتقل محله الى السوق نفسه وصار لاحقا «حلويات الكواكب».

جذر اقدم، برواية عائلة

يقول علي عبدالحميد خلف الحلواجي لصحيفة «الانباء» ان جده الاعلى محمد وابنه خلف اول من صنع الحلوى في الكويت، وان محمدا عرف بالحلواجي منذ نحو سنة 1800، وكان محله مقابل المسجد الكبير في السوق الداخلي والصناعة في البيت. ومن تعلم منهم ثم فتح محله: عائلة علي نقي، وعباس مقامس، وابناء ماه حسين.

وننبه ان هذا كلام عائلة عن جدها بلا وثيقة، وسنة 1800 روايتها هي. ننقلها منسوبة ولا نثبتها.

كيف كانت تصنع

الحلوى الكويتية القديمة من السكر والهيل والزعفران والنشا والدهن. اما الرهش فبلا سكر اصلا: دبس التمر والسمسم، يغلى الدبس في الجدر على حطب ثماني ساعات حتى يبيض، ثم يضاف السمسم وماء الورد والهيل وحبة الحلوى، ويقسم في صواني وقدور واطباق. وافضل الدبس عراقي، والسمسم يجلب من الهند وايران والسودان.

والدندرمة من سكر وماء وحليب، تجمد بالملح والثلج حول الاناء في صناديق خشبية، والحليب يشترى طازجا من الجهراء والفحيحيل.

من البيت الى المصنع

قبل المصانع كانت الحلوى تطبخ في البيوت على الحطب والكاز بلا كهرباء. وبيت بوفتين العربي كان جناحا للسكن وجناحا للطبخ ومخزنا للوقود. وفي الذروة كانت تخرج ستمئة الى سبعمئة كيلو رهش يوميا، تورد الى محال الفحيحيل والفروانية والجهراء، وتصدر بالشاحنات الى السعودية وبالحاويات الى كندا واميركا. ثم منحت الدولة الف متر مربع في الشويخ للمصنع، وصار محمد جعفر مديره سنة 1975. وكانت اربعة فروع قبل 1990، ذهبت كلها في الغزو.

وماذا بقي

«حلويات الكواكب» ما زالت تعمل. اسسها راشد جمعة بوفتين في منتصف الاربعينات، اولا في السكة نفسها والانتاج في الرشايدة ثم الحرية، ثم انتقلت سنة 1966 الى عنوان شارع. ومصدران يختلفان في اسم الشارع: مجلة «اسرتي» تقول شارع سالم الكبير، و«الراي» تقول شارع مبارك الكبير عمارة المزرعة. لا نرجح.

اما السكة نفسها فلا نعرف متى انتهت ولا ان كانت هدمت. ما نعرفه ان قوسا في المباركية اليوم ما زال يحمل الاسم. ولا نكتب انها ذهبت مع هدم البلد القديم، لان ذلك غير موثق.

الصورة: سوق المباركية في مدينة الكويت. تصوير Zairon، رخصة المشاع الابداعي BY 4.0 عبر ويكيميديا كومنز.

المصادر: مجلة «تراثنا» عدد خمسة، مارس 1997، عن جرد محمد علي الخرس؛ و«الراي» في 17 يناير 2011 عن اسواق الكويت قديما، وفي 26 اكتوبر 2007 حديث محمد جعفر اعداد سعود البعيجاني؛ و«الانباء» في 29 مايو 2010 حديث علي الحلواجي اجراه منصور الهاجري؛ ومجلة «اسرتي» عن حلويات الكواكب.

استقبل المنشورات في بريدك

مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.

يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

شاركنا رأيك

لن ينشر بريدك الالكتروني. التعليقات تراجع قبل الظهور.