في سوق السمك قبل أن ترتفع الشمس، حين يكون الرصيف ما زال مبتلا ورائحة البحر أقوى من رائحة أي شيء آخر، تعرف الزبيدية من بعيد. لونها فضي يلمع كأنه مصقول، وجسدها مسطح عريض، والبائع يرفعها بيد واحدة ليريك أنها كاملة. لا أحد يساوم على الزبيدي كما يساوم على غيره.
ومن هذه السمكة تحديدا يخرج مطبق الزبيدي، الطبق الذي يذكر في كل مرة يطرح فيها السؤال عن الطبق الوطني الكويتي.
لماذا الزبيدي دون غيره
الكويت مدينة بحر، وأسماكها كثيرة: الهامور والصافي والميد والنويبي. لكن الزبيدي احتل مكانة لا ينافسه فيها أحد. لحمه أبيض قليل الشوك، وقوامه يتحمل القلي ثم الطبخ فوق الأرز دون أن يتفكك، وموسمه محدود، وهذا وحده يكفي ليصنع مكانة. ومن البحر نفسه الذي خرجت منه هذه السمكة خرجت حكاية النواخذة وأبطال البحر.
في المواسم التي يشح فيها، يصبح سعره حديث المجالس. ولمن يعرف السوق، سعر الزبيدي مؤشر لا يخطئ على حال البحر في تلك السنة.
من أين جاء الاسم
«مطبق» من الإطباق: أن يطبق شيء على شيء. الأرز يطبخ على مرق السمك وبهاراته، ثم يقلب القدر أو توضع السمكة فوقه، فيصير الطبق طبقتين لا واحدة. والاسم وصف للطريقة لا للنكهة، وهذه عادة في هذا المطبخ: المجبوس من الكبس، والمرقوق من الرق، والمطبق من الإطباق. الأسماء تحكي ما تفعله اليد بالقدر.
وهي الطريقة نفسها التي يقوم عليها المطبخ الكويتي القديم: قدر واحد، ولحم أو سمك أولا، ثم ما يتشرب المرق. اختلفت المادة وبقي المنطق.
ما يوضع معه
لا يقدم المطبق وحده. إلى جانبه الدقوس — صلصة الطماطم الحارة التي لا تكاد تغيب عن مائدة كويتية — وأحيانا البصل المحمر والزبيب والمكسرات فوق الأرز. التوازن مقصود: سمك مقلي، وأرز مشبع بالمرق، وشيء حامض حار يقطع الدسم.
طبقان على عرش واحد
يذكر مطبق السمك في المصادر بوصفه طبقا وطنيا كويتيا، ويذكر معه المجبوس في الموضع نفسه. وتختلف الروايات حول أيهما الأسبق وأيهما الأحق بالتسمية، ولم يحسم الأمر رسميا. الأرجح أن الخلاف نفسه هو الجواب: مدينة قامت على البحر والتجارة معا، وطبقان يمثلان الاثنين.
المطبق اليوم
ما زال يطبخ في البيوت، وما زال يقدم في المطاعم الشعبية، وما زال موسم الزبيدي يعرف بأنه موسمه. تغيرت الأدوات، وبقيت الطريقة: يقلى، ثم يطبق، ثم يقلب على الصينية بحركة واحدة يعرفها من طبخه مرة.
عد إلى السوق قبل الشمس. الرصيف ما زال مبتلا، والفضة ما زالت تلمع على الطاولة، والسمكة التي ستوضع فوق الأرز بعد ساعات ما زالت تحمل رائحة البحر الذي خرجت منه.
مراجع للاستزادة: معرض التراث الشعبي — المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب · مركز البحوث والدراسات الكويتية
