ذاكرة الكويت

الطواويش: تجار اللؤلؤ الذين غادروا الكويت احتجاجا

من مول رحلات الغوص وباع اللؤلؤ في الهند وباريس، ولماذا كان اهل شرق اشد تضررا من كساد اللؤلؤ، وكيف انتهت هجرتهم الى البحرين بمدرسة المباركية.

حبات لؤلؤ طبيعية بالوان واحجام مختلفة

سنة 1910 غادر نحو عشرة من كبار تجار اللؤلؤ في الكويت الى البحرين. لم يكونوا هاربين من دين ولا من خصومة شخصية، بل خرجوا احتجاجا على سياسات الحاكم. وبعد سنة تقريبا سافر الشيخ مبارك الصباح بنفسه اليهم واعادهم.

هؤلاء هم الطواويش. ومن دون فهم من كانوا، لا يفهم كيف كانت الكويت تدار قبل النفط.

من هو الطواش

الطواش ليس غواصا ولا نوخذة. هو تاجر اللؤلؤ: يمول رحلة الغوص، ويشتري الحصيلة، ثم يبيعها في الاسواق الخارجية.

وهذه النقطة الاخيرة هي التي يغفل عنها كثيرون: هؤلاء التجار لم يبيعوا في السوق المحلي فقط. يذكر سيف مرزوق الشملان في تاريخ الغوص على اللؤلؤ ان منهم من وصل الى الهند وباريس لبيع اللؤلؤ.

اي ان تاجرا كويتيا كان يحمل بضاعته من الخليج الى قلب اوروبا في زمن السفن الشراعية.

شرق وجبلة: لماذا يهم اين كانوا يسكنون

قسمت مدينة الكويت القديمة الى حيين رئيسيين: الحي الشرقي والحي القبلي المعروف بجبلة.

وكان النصيب الاكبر من دخل الغوص لاهل شرق، لان غالبية الطواشين والنواخذة كانوا من سكانه. اما اهل جبلة فعملوا في التجارة والسفر والاعمال الى جانب الغوص.

وهنا يظهر اثر هذا التوزيع: حين جاء كساد اللؤلؤ، كان اهل شرق اشد تأثرا من اهل جبلة، لان تجارتهم كانت قائمة على الغوص وحده، بينما وزع اهل جبلة مصادر دخلهم.

درس اقتصادي عمره قرن، وما زال صحيحا: من يعتمد على مورد واحد يسقط معه.

اغنى طواش في الخليج

ابرزهم هلال فجحان المطيري (1855 – 1938)، الذي وصف بانه اغنى تجار اللؤلؤ في الخليج، وقدرت ثروته بنحو ثمانية ملايين روبية.

والارقام التي تحيط به توضح حجم العملية: بحلول سنة 1914 كان يملك ثمانيا وعشرين سفينة، ودفع في سنة واحدة 10,173 روبية ضريبة على حصيلة الغوص.

ومعه في تلك الطبقة اسماء تتكرر في كتب الغوص: شملان بن علي بن سيف الرومي، وابراهيم بن مضف، وراشد بورسلي، واحمد المناعي، وسعد النهد الصهلاوي.

الهجرة

الخلاف كان على الضرائب وعلى قرارات الحاكم، ومنها منع الغوص في احد المواسم.

ابتداء من سبتمبر 1910 هاجر التجار الى منطقة القضيبية في البحرين، وعلى رأسهم هلال المطيري. لم تكن مغادرة افراد، بل انسحاب رأس المال الذي تقوم عليه المدينة.

حاول الشيخ مبارك اعادتهم فارسل ابنه، فلم يقبلوا. فسافر بنفسه الى البحرين في يوليو 1911، وعادوا في سبتمبر من السنة نفسها.

ملاحظة على التواريخ: مصادر اخرى تؤرخ مغادرة هلال المطيري بسنة 1912. الروايتان متفقتان على الحدث والاسباب والنهاية، ومختلفتان في السنة.

ما الذي خرج من هذه القصة

في ديسمبر 1911 تأسست مدرسة المباركية، اول مدرسة نظامية في الكويت، وساهم في تأسيسها التجار العائدون. وتذكر المصادر ان هلال المطيري تبرع لها بخمسة الاف روبية.

ثم انتخب سنة 1921 عضوا في مجلس الشورى.

وهذا هو الخط الذي يربط الحكاية كلها: تجار انسحبوا احتجاجا، فتفاوض معهم الحاكم، فعادوا، ثم بنوا اول مدرسة، ثم دخلوا اول مجلس. لم تكن هجرة الطواويش خصومة عابرة، بل اول مرة يستعمل فيها المال الكويتي ثقله في وجه السلطة، وينتهي الامر بتسوية لا بقمع.

ولقراءة اوسع عن رجال البحر انظر النواخذة وأبطال البحر، وعن الحكم في تلك الفترة أسرة آل صباح.

الصورة: حبات لؤلؤ طبيعية — تصوير James St. John عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 2.0

مراجع للاستزادة: سيف مرزوق الشملان، تاريخ الغوص على اللؤلؤ، الجزء الثاني، منقولا عبر منتدى تاريخ الكويت · بدر ناصر الحتيتة المطيري، هجرة الطواويش، الجريدة

شاركنا رأيك

لن ينشر بريدك الالكتروني. التعليقات تراجع قبل الظهور.