ذاكرة الكويت

عائلة الرومي: مدرسة للايتام اغلقها اللؤلؤ الصناعي

شملان وحسين بن علي بن سيف بنيا ثروة من الغوص، وصرفاها على التعليم والماء والمساجد. «السعادة»، ثالث صرح تعليمي نظامي في الكويت، اقفل في 1934 لان الثروة ذهبت.

صورة قديمة بالابيض والاسود لغواصي لؤلؤ حول سفينة شراعية في الخليج

في عام 1934 اغلقت مدرسة في الكويت ابوابها. كان فيها نحو ثلاثمئة تلميذ، والتعليم فيها بالمجان، وهي ثالث مدرسة نظامية عرفتها البلاد. لم تغلق لان احدا اخطأ في ادارتها، ولا لان الطلبة انقطعوا عنها. اغلقت لان الرجل الذي كان يدفع رواتب مدرسيها من جيبه فقد ثروته.

صورة قديمة بالابيض والاسود لسفينة غوص في الخليج، وغواصون في الماء يتعلقون بحبال، واخرون يعملون على ظهر السفينة

والذي اخذ الثروة لم يكن حربا ولا حريقا. كان لؤلؤا صناعيا.

اخوان من الشرق

حسين وشملان، ابنا علي بن سيف الرومي، ولدا في منطقة الشرق من مدينة الكويت، في عائلة ميسورة. توفي والدهما سنة 1304 هجرية، الموافقة 1886 ميلادية، وكان شملان يومها في الثالثة والعشرين من عمره تقريبا.

ما فعله الاخوان بعد ذلك هو المهم. لم يجلسا على ما ورثاه. دخلا تجارة اللؤلؤ من بابها الاصعب: يشتريان من الغواصين، ثم يسافران بالحاصل الى اسواق البيع في البحرين او الهند. ومع الوقت صارا من كبار الطواويش، في المرتبة الثانية بعد هلال بن فجحان المطيري، اغنى تاجر لؤلؤ في الخليج.

ومع مطلع العشرينات بلغت ثروتهما ثمانمئة وخمسين الف روبية. ولمن يريد مقياسا: كان راتب مدير مدرسة في الكويت يومها مئة روبية في الشهر، ويوصف بانه مبلغ كبير.

سفينة ماء نصفها للفقراء

الكويت قبل النفط لم يكن فيها ماء عذب يكفي. كان الماء يجلب من شط العرب عند البصرة، بالسفن، ويبيعه الكندري في الفرجان بالتنكة.

خصص شملان وحسين لهذا الغرض سفينة تسمى «رانقون»، وجعلا نصف ما تجلبه من الماء لسقاية الفقراء بلا مقابل. نصف الحمولة. في صيف الكويت، وفي بلد الماء فيه مستورد.

ثم جاءت الحرب العالمية الاولى، 1914 الى 1918، فانقطعت المواصلات وتوقف التجار عن اعمالهم وبلغت الازمة منتهاها. في تلك السنوات كان ديوان الاخوين مفتوحا: يطعمان الفقراء والمساكين، سرا وعلنا.

خمسة الاف روبية للمباركية

عندما عزم اهل الرأي في الكويت على بناء مدرسة حديثة تخرج التعليم من الكتاتيب، تبرع شملان لتأسيس المدرسة المباركية بخمسة الاف روبية.

لكن المباركية، ومعها الاحمدية بعدها، ضاقتا بطلاب العلم. ولاحظ شملان شيئا اخر: ان كثيرا من الايتام محرومون من التعليم لانه لا يوجد من ينفق عليهم.

مدرسة السعادة

فاسس مدرسة على حسابه، خاصة، تضم ايتام الكويت، يتعلمون فيها بالمجان ما يتعلمه غيرهم في المباركية والاحمدية. سماها مدرسة السعادة.

خصص لها جزءا من ماله. وعين لها مدرسين، واوكل ادارتها الى الشيخ احمد الخميس براتب مئة روبية. فتحت ابوابها سنة 1343 هجرية، الموافقة 1924 ميلادية، فكانت ثالث مدرسة نظامية في الكويت. وبلغ عدد طلابها نحو ثلاثمئة، بين ايتام وابناء تجار ونواخذة، والتعليم فيها مجانا للجميع.

عشر سنوات فقط عاشت. في 1934 اضطر شملان الى اغلاقها، لانه لم يعد بوسعه الصرف عليها بعد ان ذهبت ثروته مع كساد تجارة اللؤلؤ. وسبب الكساد معروف: ظهور اللؤلؤ الصناعي.

هذه هي الجملة التي تستحق ان تقرأ مرتين. مدرسة الايتام في الكويت اغلقت لان مصنعا في مكان اخر من العالم تعلم كيف يقلد ما كان الغواص الكويتي ينزل الى القاع ليخرجه.

ثلث مال ابن قتل في الجهراء

لشملان ابن اسمه علي، قتل في معركة الجهراء سنة 1340 هجرية، الموافقة 1921 ميلادية، وقبره قريب من القصر الاحمر في الجهراء.

تبرع الاب بثلث مال ابنه لمسجد الشملان، ذي المئذنتين، فعمل من المال خلوة ومكانا للوضوء. والمسجد في المرقاب، عند تقاطع شارع الهلالي، وهو شارع الشهداء حاليا، مع شارع عبدالله المبارك. جددته وزارة الاوقاف سنة 1379 هجرية، الموافقة 1959 ميلادية.

الاخوان على طرفي حادثة واحدة

في هجرة تجار اللؤلؤ سنة 1910، حين غادر عشرة من كبار الطواويش والنواخذة الكويت احتجاجا على سياسات الشيخ مبارك الصباح، كان شملان بن علي الرومي في مقدمة المغادرين.

وكان حسين، اخوه الاكبر، في الوفد الذي ارسله الشيخ مبارك الى شملان نفسه. وكان ايضا في الوفد الذي رافق مبارك الى البحرين لمقابلة هلال فجحان المطيري.

اخوان، على طرفي الحادثة نفسها. وهذا وحده يقول شيئا عن كيف كانت تدار الخلافات في الكويت الصغيرة.

وفي 1921، مع اول عهد الشيخ احمد الجابر الصباح، شارك شملان في اول مجلس للاعيان في الكويت، وكان رئيسه حمد الصقر.

معشي العوسج

لحسين لقب بقي بعده: «معشي العوسج».

وحكايته، كما يرويها احد ابناء العائلة، انه كان مخيما في البر في منطقة الدبدبة، فرأى من بعيد ما ظنه جماعة قادمين، فامر باعداد العشاء لهم. قال له اولاده لا يوجد احد. اصر. ولما طال الوقت ولم يأت احد ارسل من يتأكد، فلم يجدوا هناك غير اشجار العوسج.

فصار حسين «معشي العوسج»، الرجل الذي عشى الشجر.

النهايتان

توفي حسين بن علي سنة 1356 هجرية، الموافقة 1937 ميلادية، وله سبعة من الابناء: احمد ويوسف وعلي وعبدالعزيز وعبدالله وعبدالوهاب ومساعد. وكان من اوائل الكويتيين الذين سافروا الى باريس لبيع اللؤلؤ، مرتين في مطلع الثلاثينات.

وتوفي شملان بن علي في الرابع عشر من ربيع الاول سنة 1364 هجرية، الموافق السادس والعشرين من فبراير 1945 ميلادية، وعمره نحو ثلاث وثمانين سنة. وله عشرة من الابناء: محمد وعبدالمحسن وعلي وسالم وخالد ومرزوق وعبدالله وحمد وسلمان ويوسف.

ومن هذه العائلة خرج بعد ذلك احمد البشر الرومي، 1905 الى 1982، اول كويتي كتب يومياته، واوصى بمكتبته الخاصة للمكتبة العامة، وتحمل مدرسة في الدعية اسمه اليوم.

ملاحظة على المصادر

المرجع الاول في هذا الموضوع كتاب «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت» للباحث سيف مرزوق الشملان، ومعه مادة للدكتور عبدالمحسن الجار الله الخرافي. وقد جمعت هذه التفاصيل في منتدى تاريخ الكويت، واعيد صياغتها هنا.

وننبه الى موضع خلاف: الرقم المنشور لقيمة الميراث الذي تركه الاب اعترض عليه احد ابناء العائلة في المصدر نفسه. ولذلك لم نذكره، واقتصرنا على رقم العشرينات الذي لم يختلف عليه احد. كما ترد تسمية اللقب في المصدر مرة «العوشج» ومرة «العوسج»، والثانية هي اسم الشجرة.

استقبل المنشورات في بريدك

مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.

يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

شاركنا رأيك

لن ينشر بريدك الالكتروني. التعليقات تراجع قبل الظهور.