قبل النفط كان دخل الحاكم في الكويت ياتي من البحر، وكان اهم بنوده ضريبة اسمها القلاطة، او «قلاطة الشيوخ». تؤخذ من كل سفينة بعد انتهاء موسم الغوص الكبير، ومقدارها حصة غواص واحد من حاصل تلك السفينة. اي انها لم تكن مبلغا ثابتا: من عاد بلؤلؤ كثير دفع كثيرا، ومن عاد فارغا لم يدفع شيئا تقريبا.
لم تكن الكويت وحدها
يذكر ج. ج. لوريمر في «دليل الخليج»، القسم الجغرافي، ان مشايخ الساحل كانوا يفرضون ضرائب على الغواصين، وان لكل شيخ نظاما يخالف غيره، فلا قانون واحد يجمعهم. واول ضريبة من هذا النوع على الجانب العربي فرضها حاكم البحرين سنة 1801 واسمها «النوب»، ومقدارها نصيب غواص واحد عن كل سفينة. ثم اضيفت بعد سنوات ضريبة ثانية اسمها «الطراز»، وهي ايضا نصيب غواص واحد، والغرض منها تعيين حراس باجر في المدن والقرى طوال الصيف، لان الرجال يكونون في البحر. النوب تجبى في الخريف والطراز في الربيع.
كيف كان الموسم يقسم
الغوص الكبير اربعة اشهر، تنقسم الى طرشتين مدة كل واحدة شهران: «الطرشة الاولى» و«الطرشة التالية». وداخل كل طرشة تقسيمة اصغر، كل خمسة عشر يوما تسمى «قرعة». اربع قرعات في الطرشة، وثمان قرعات في الموسم كله. ولان الضريبة تحسب من الحاصل، فهي لا تدفع الا بعد ان ينتهي هذا كله.
الدفتر
عين الشيخ مبارك الصباح جاسم بن محمد بودي على جمع القلاطة، فكان يقيدها في كشوفات تحفظ في دفتر خاص يرفع الى الحاكم في نهاية الموسم. والقيد الواحد فيه سطر واحد: اسم التاجر او النوخذة، ثم المبلغ بالروبية، ثم عدد المحامل، ثم التاريخ الهجري. والكشوفات المنشورة تغطي من 1330 الى 1334 هجرية، اي من 1912 الى 1916 ميلادية بحسب من نشرها.
واوضح ما في الدفتر هو الفارق بين سطر وسطر في الاسبوع نفسه. في رمضان 1330 وحده: احمد الضويحي مئتا روبية عن محمل واحد، ومحمد بن مدعج ثلاثمئة واربع عشرة روبية عن محمل واحد، وعبدالهادي بن فهد الميلم مئتان وسبعون عن محملين، وجاسم بن حسين ستمئة واربع وعشرون عن محمل واحد. وفي اليوم نفسه تقريبا: صالح بن شاهين الفودري سبعون، وعبدالوهاب اليوسف خمس عشرة، وسالم العويشير احدى عشرة، وحسين بن علي العبدون ثلاث روبيات عن محمل واحد.
وللدفتر مصطلحه الخاص لمن لم يصب شيئا: «ماقص شي». وفيه ايضا «من يد فلان» لمن سلم المبلغ عن طريق غيره، و«عن فلان» حين يدفع تاجر او نوخذة كبير عن نوخذة اخر.
ومن اراد الصورة الاوسع لهذه المهنة ومن عاش عليها، فقد كتبنا عن الطواويش، تجار اللؤلؤ الذين غادروا الكويت، وعن قانون السفر 1940 الذي نظم العلاقة بين النوخذة والبحارة بعد ذلك بسنوات.
حساب الروبية
الروبية ستة عشر انة، والانة اربع بيزات. اما «اللك» فمئة الف روبية، وخمسة لكوك نصف مليون. وحين تقرا في الكشوفات ثلاث روبيات مقابل محمل كامل، فانت تقرا سفينة عادت بلا شيء يذكر.
من كان يجمعها: روايتان
المصدر الذي نشر الكشوفات يقول ان جاسم بن محمد بودي جمعها في عهد الشيخ مبارك، ثم تولاها جاسم بن ادريس في عهد الشيخ جابر بن مبارك، ثم سعود بن عون في عهد الشيخ احمد الجابر. ورواية ثانية نشرتها «السياسة» في ابريل 2026 تقول ان جاسم بن ادريس هو من كلف بجمعها منذ 1896 في عهد مبارك نفسه، وانه بقي عليها نحو اربعة واربعين عاما قبل ان يخلفه سعود بن عون. الروايتان تتفقان على سعود بن عون وتختلفان في البداية، والدفتر نفسه هو ما يحسم ذلك، لا النقل عنه.
الغيت ثم عادت بنصفها
في سنة 1938 الغى المجلس التشريعي ضريبة الغوص واعفى الغواصين منها. وبعد حل المجلس اعادها الشيخ عبدالله السالم، وكان وليا للعهد، لكنه خفضها الى النصف لان اهل المهنة لم يعودوا قادرين على دفعها، وسميت في صورتها الجديدة «اسوابة». واستمرت حتى الخمسينات، حين توقف الكويتيون عن العمل في الغوص اصلا.
وهذه هي القصة كلها في جملة: ضريبة تؤخذ من حصة رجل نزل الى قاع البحر، الغاها المجلس التشريعي، فاعيدت بنصفها، ثم انتهت لان المهنة نفسها انتهت.
المصادر: «دليل الخليج» لـ ج. ج. لوريمر، القسم الجغرافي، للخلفية الاقليمية · كشوفات دفتر القلاطة العائد الى الشيخ مبارك الصباح بقيد جاسم بن محمد بودي، كما نشرت في منتدى تاريخ الكويت · وجريدة «السياسة»، 15 ابريل 2026، مقال طارق ادريس.
استقبل المنشورات في بريدك
مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.
يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

