على بعد عشرين كيلومترا من ساحل مدينة الكويت، حيث ينفتح الجون على الخليج، تقوم جزيرة منبسطة لا يسمع فيها اليوم غير الريح والموج. من على ظهر القارب لا تعد فيلكا الزائر بشيء: شريط واطئ من الرمل، بضع نخلات، وسطح لا يعلو كثيرا عن الماء.
ثم تطأها، فتكتشف أن كل خطوة تقريبا تقف فوق أربعة آلاف سنة.
فيلكا هي المكان الوحيد في الكويت الذي تركت فيه كل حضارة مرت بالخليج علامة يمكن لمسها. تعاقب عليها التجار والكهنة والجنود والصيادون، وكتب فيها اليونان وثيقتهم الادارية الوحيدة الباقية في المنطقة، وعاش فيها الكويتيون حتى صيف واحد اخرجهم منها ولم يعودوا. ليست فيلكا جزيرة على خريطة الكويت، بل هي الصفحة الاولى في كتابها.
أربعة آلاف سنة تحت التراب
قبل ان تكون هناك مدينة اسمها الكويت بألفي عام، كانت فيلكا محطة على طريق دلمون البحري الممتد من البحرين الى بلاد الرافدين. في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة، عند التلال التي يعرفها الاثريون بأسماء مختصرة الى اليوم، ظهرت مدينة كاملة من الالف الثاني قبل الميلاد: بيوت صغيرة غرفها في حدود ثلاثة امتار في ثلاثة، جدران من الطين والحجر، افران، ابار، ومشاغل فخار.
وظهر معها ما هو اهم من البيوت. في التل المعروف باسم F6 كشف عن مبنى اداري ضخم مرتبط بانتاج الغذاء، ومعبدين، وقصر حجري مربع. وخرجت من التراب اختام دلمونية بأشكال متعددة، وخرز، ولؤلؤ، وادوات معدنية. الاختام تحديدا هي شهادة الجزيرة: لا يحتاج الى ختم الا من يوقع عقدا، ولا يوقع عقدا الا من يتاجر. كانت فيلكا مرفأ يعد ويوزن ويرسل.
الجزيرة التي سماها اليونان إيكاروس
في اواخر القرن الرابع قبل الميلاد وصل الى الخليج مستكشفون ارسلهم الاسكندر المقدوني. وتشير المصادر الى انهم اطلقوا على الجزيرة اسم إيكاروس لشبهها في حجمها وشكلها بجزيرة اغريقية تحمل الاسم نفسه. وهناك من يرد اسم فيلكا الحالي الى الكلمة اليونانية فيلاكيو، اي المخفر او النقطة المتقدمة.
وفي مطلع القرن الثالث قبل الميلاد بني على الجزيرة حصن شبه مربع، طول ضلعه نحو ستين مترا، وفي كل زاوية من زواياه برج. داخله معبدان، احدهما بأعمدة على الطراز الايوني نحتت حجارتها بعناية وجلب بعضها من خارج الجزيرة. عرف الحصن خمس فترات سكن متعاقبة انتهت في القرن الاول قبل الميلاد.
وفي هذا الحصن وجد ما يجعل فيلكا استثناء في اثار الخليج كله: لوح حجري نقش عليه نص طويل باليونانية، يعد الوثيقة الادارية الكاملة الوحيدة التي عثر عليها في المنطقة. ليس تعويذة ولا نقش قبر، بل تعليمات تخص ادارة المكان وسكانه. رسالة من موظف الى موظف، بقيت بعد ان زالت الدولة التي كتبتها.
دير في وسط الجزيرة
ثم انتقل مركز الثقل. في وسط فيلكا، في موقع يعرف باسم القصور، قام دير مسيحي في القرنين السابع والثامن الميلاديين. كشفت الحفريات عن كنيستين متعاقبتين، وقاعة طعام جماعية، ومبان خصصت لانتاج الغذاء ومنها دبس التمر. ويؤرخ الفخار المكتشف هناك من النصف الاول من القرن السابع الى القرن التاسع.
معنى ذلك ان فيلكا ظلت مأهولة ومنتجة في القرون التي يغيب فيها الخليج عادة عن السرد التاريخي، وان اهلها كانوا يزرعون ويعصرون ويخزنون، لا يمرون فقط.
القرية التي أفرغت في ليلة
اقرب طبقات فيلكا الينا هي اقساها. حتى صيف 1990 كانت الجزيرة قرية عامرة يسكنها اكثر من الفي نسمة، فيها مدارس وسوق ومرفأ للقوارب، وكانت مقصدا لأهل الكويت في العطل والرحلات البحرية.
مع الغزو العراقي اخرج السكان جميعا الى البر، وزرعت الشواطئ بالالغام، واستعملت مباني الجزيرة هدفا للتدريب بالذخيرة الحية. نزعت الالغام بعد التحرير، لكن الاهالي لم يعودوا. البيوت التي تركت واقفة ما زالت واقفة، بجدرانها المثقوبة وشبابيكها المفتوحة على لا شيء، ولا يقيم في الجزيرة اليوم غير بضع عشرات بين موظفين وعاملين وعائدين متقطعين.
هذه هي المفارقة التي تصنع فيلكا: الطبقة التي تحت الارض محفوظة ومدروسة ومرقمة، والطبقة التي فوقها متروكة كما تركت.
ما الذي يراه الزائر اليوم
منذ 1958 عملت على فيلكا بعثات اثرية كثيرة، وطنية واجنبية، تجاوز عددها الستة عشرة وجاءت من تسع دول. اولها البعثة الدنماركية التي قادها جيفري بيبي بين 1958 و1963 وفتحت التلال في الطرف الجنوبي الغربي، ولا يزال العمل مستمرا الى اليوم بالتنسيق مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب. وقد ادرجت الجزيرة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو.
الزيارة تبدأ من ساحل السالمية بالقوارب والعبارات، وتنتهي بشيء لا يشبه اي وجهة اخرى في البلاد. لا لافتات كثيرة ولا مقاه ولا واجهات، انما جدران بارتفاع الركبة تمتد الى البحر، وشباك خضراء تحمي مربعات الحفر، وسور واطئ يفصل الزائر عن مدينة عمرها اربعة الاف سنة. يمشي المرء بينها فيفهم بجسده ما لا تقوله الكتب: ان الغرف كانت صغيرة، وان البحر كان قريبا جدا، وان الناس بنوا هنا لأن هنا كان المعنى.
عد الى مشهد البداية. من على ظهر القارب لا تعد فيلكا الزائر بشيء، شريط واطئ من الرمل لا يعلو عن الماء. وتحت ذلك الشريط تنام دلمون واليونان والدير وقرية الصيادين، بعضها فوق بعض، تنتظر من يمشي عليها.
لقراءة اوسع عن جزر الكويت وموقعها في تاريخ البلاد، انظر سياحة الجزر الكويتية والموانئ الكويتية.
الصورة: الموقع الاثري في فيلكا، ابريل 2025 — تصوير Kishore R Sudarsan عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0
مراجع للاستزادة: اليونسكو — القائمة التمهيدية: جزيرة فيلكا · اليونسكو — منطقة سعد وسعيد في فيلكا · المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب
