ذاكرة الكويت

بهبهاني: رسالة الى اوميغا سنة 1935، ومحطة تلفزيون اشترتها الحكومة

سافر الى نيويورك عام 1947 عبر البصرة وبغداد وتل ابيب ومصر وايطاليا وبريطانيا، وعاد بالتكييف واللاسلكي. عرض جهاز الشرطة فرفض، فاعطاه لصياد حتى طلبته الداخلية.

طريق مسفلت في الكويت عام 1961 وعليه سيارتان من طراز الخمسينات، وفي نهايته مبنى حكومي ابيض واسع
الكويت، 1961. تصوير brett jordan، رخصة CC BY 2.0 عبر ويكيميديا كومنز.

سنة 1935 كتب طالب في الكويت رسالة الى شركة «اوميغا» السويسرية يطلب فيها ساعة واحدة. باعها، فطلب بثمنها الثانية، ثم الثالثة، حتى صار وكيلا للشركة في بلد لا يكاد احد فيه يعرف ما «الاوميغا». الطالب اسمه مراد يوسف بهبهاني، وبعد اثني عشر عاما سيسافر الى نيويورك ويعود ببضاعة اثقل من الساعات: التكييف، واللاسلكي، والاذاعة، والتلفزيون.

كيف يصل رجل من الكويت الى نيويورك سنة 1947

لم يكن هناك مكتب سفر يدله على الطريق. المسار كما يرويه ابنه علي مراد بهبهاني: طائرات صغيرة الى البصرة، ومنها الى بغداد، ثم الى تل ابيب قبل النكبة، ومنها الى مصر فايطاليا فبريطانيا، ثم باخرة استغرقت اياما الى نيويورك.

وكان تمويل ذلك كله من البنك البريطاني للشرق الاوسط، البنك الوحيد في الكويت حينها، الذي فتح له اعتمادا في وقت لم تكن فيه بطاقات مدنية ولا جوازات سفر تصدرها جهة رسمية.

الملاحظة الاولى: هذا البلد يحتاج التكييف

اول ما استنتجه ان اهم اختراع اميركي تحتاجه الكويت اكثر من اي مكان في العالم هو التكييف. فطرق باب شركة «كاريير»، التي اسسها ويليس كاريير سنة 1902، وعاد بالاجهزة. اولها ذهب الى قصر الحكم، ثم بدا تسويقها تجاريا. ونال لقبا كان يتصدر اوراق المجموعة الاولى: «المجهز الخاص لحضرة صاحب السمو»، في عهد الشيخ احمد الجابر الصباح.

اللاسلكي الذي رفضته الداخلية ثم طلبته

راى في نيويورك شرطتها تتواصل بالاجهزة اللاسلكية، فحمل جهازين معه وعرض الفكرة على الشيخ صباح السالم، وكان مسؤولا عن الداخلية قبل ان تنشا الوزارات. لم تشده الفكرة.

فغير بهبهاني الطريق: اعطى الجهاز لاحد الشيوخ ليستخدمه ورفاقه في رحلات الصيد. ذاع صيته بين الناس، وعاد الخبر الى الشيخ صباح السالم، فطلب الاجهزة، وزودت بها سيارات الشرطة. البيع هنا لم يكن للجهة التي تحتاجه، بل للناس الذين يتحدثون عنه.

الاذاعة والتلفزيون كوسيلة بيع، لا كمشروع اعلامي

كان يستورد اجهزة الراديو والتلفزيون ويبيعها في السوق، فاحتاج الى ما يشغلها. فانشا محطة بث اذاعي صغيرة داخل سور الكويت القديم، تشغل الاسطوانات ويغني فيها مطربون طوال النهار. ثم فعل الشيء نفسه مع التلفزيون: احضر اجهزة بث تعرض افلاما مصورة مقاس ستة عشر مليمترا من شركة النفط الاميركية، افلاما لم تكن قد عرضت في سينما الكويت.

وهنا بدات المشكلة. شركة «السينما» كانت تحتكر السوق، والناس بدأوا يفضلون الشاشة الصغيرة على صالة العرض. فتقدم اعضاء مجلس ادارتها بشكوى ضد بهبهاني الى الامير. والنهاية ان الحكومة قررت شراء المحطة منه، وتحولت فيما بعد الى تلفزيون الكويت.

اي ان محطة اقيمت لبيع اجهزة صارت نواة التلفزيون الرسمي.

ثم السيارات

سنة 1955 ادخل «فولكس فاغن» الى الكويت. وبعدها بقليل باعت المجموعة اول سيارة رياضية في البلد: «بورشه 356». وتقول الشركة ان تلك كانت اول وكالة لبورشه في الشرق الاوسط، والتاسعة على مستوى العالم.

وهنا تتضارب الروايات، وكلها من داخل البيت نفسه. الموقع الرسمي لشركة بهبهاني للسيارات يقول ان الشركة تاسست سنة 1957، وان فولكس فاغن دخلت 1955 وبورشه في العام التالي لها. اما الموقع الرسمي للمجموعة فيؤرخ تاسيس شركة السيارات بـ1955 واول وكالة لبورشه بـ1957. وصحيفة الراي، في تحقيقها عن يوبيل المجموعة، نشرت صورة لبهبهاني محتفلا باول سيارة بورشه استوردها الى الكويت وارختها بـ1957. اثنتان من الروايات الثلاث تقول 1957، وواحدة تقول 1956، ولا مرجح قاطعا بينها حتى الآن.

ما بقي منه

كان اول كويتي يعين قنصلا فخريا لسويسرا، وظل في المنصب اكثر من اربعين عاما يمنح خلالها تاشيرات الدخول للكويتيين قبل ان تفتح قنصلية رسمية. وكان من مؤسسي البنك الاهلي الكويتي سنة 1967، وترأسه بين 1986 و2003. وتوفي في صيف 2005.

والخلاصة التي تستحق الوقوف عندها ليست عدد الوكالات، بل ان اربعة اشياء تعد اليوم من بديهيات البيت الكويتي — المكيف، والراديو، والتلفزيون، وجهاز اللاسلكي في سيارة الشرطة — دخلت البلد لان تاجرا واحدا سافر ليرى بعينه.

وعن الطريق قبل السيارة، كتبنا سابقا عن وسائل النقل القديمة في الكويت، وعن اللحظة التي غيرت كل شيء في قصة اكتشاف النفط.

المصادر: تحقيق جريدة الراي المنشور في 23 اكتوبر 2010 بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاما على تاسيس المجموعة، ويتضمن رواية علي مراد بهبهاني؛ والموقعان الرسميان لمجموعة مراد يوسف بهبهاني ولشركة بهبهاني للسيارات. النص معاد عبر منتدى تاريخ الكويت.

الصورة: الكويت، 1961. تصوير brett jordan، رخصة CC BY 2.0 عبر ويكيميديا كومنز.

استقبل المنشورات في بريدك

مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.

يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

شاركنا رأيك

لن ينشر بريدك الالكتروني. التعليقات تراجع قبل الظهور.