حين كانت سفينة كويتية تخرج من الميناء متجهة الى الهند او زنجبار، لم تكن تبحر على العرف وحده. كان على ظهرها قانون مكتوب، بمواد مرقمة، يحدد من يقود، ومن يقف على الدفة، وكيف يقسم المال حين تعود، وماذا يحدث لمن يهرب في ميناء بعيد.
اسمه قانون السفر، صدر سنة 1940، وفيه واحدة وستون مادة.
من اصدره ولماذا
صدر القانون عن حاكم الكويت الشيخ احمد الجابر الصباح، بناء على ما عرضه رئيس مجلس الشورى، وفي ديباجته عبارة تلخص الغرض: «بناء على رغبتنا في اصلاح البلاد والعباد».
ولم يصدر وحده. صدر مع قانون الغوص في السنة نفسها. الاول ينظم رحلة الغوص على اللؤلؤ، والثاني ينظم السفر التجاري الطويل. وكلاهما جاء لغرض عملي واحد: الفصل في الخصومات التي كانت تنشب بين البحارة والنواخذة، وكانت قبل ذلك تحل بالعرف وبمن يملك الكلمة الاعلى.
السفينة والنوخذا
المواد الاولى تبدأ من البديهي وتكتبه صراحة. المادة الاولى: يجب ان تكون السفينة صالحة وكاملة العدد للسفر. اي ان اهليتها للابحار وعدد رجالها شرط، لا اجتهاد.
والمادة الثانية تشترط في النوخذا ثلاثة: ان يكون مالكا لحواسه، عارفا لمسالك البحار، حسن السلوك. لاحظ ان الشرط الثالث اخلاقي لا تقني، وهو مقصود: النوخذا يمسك مال الناس وارواحهم شهورا بعيدا عن اي سلطة.
والمادة الثالثة تلزم صاحب السفينة بتعيين رجل ذي خبرة لمساعدة النوخذا والقيام مقامه عند الضرورة، ولا يعفى من ذلك الا اذا لم يوجد مساعد اصلا.
السكوني: الرجل الذي يمسك الديرة
افرد القانون مادة كاملة لمن يقف على الدفة. المادة الثامنة تشترط في السكوني ان يكون سليم البصر، ملما بامور البحر، عارفا للديرة، مقتدرا على ضبط دفة السفينة واتجاه المجرى، منتبها لمفاجأة الرياح.
واذا رست السفينة، فعليه ان يؤدي عمله في الوقت الذي هو مسؤول عنه، واذا تسلم السكان غيره وجب ان يشترك مع زملائه في بقية العمل. ومن خالف عد عاجزا عن اداء واجبه.
المال: حصص لا رواتب
هنا يظهر جوهر النظام. البحار في السفينة الكويتية لم يكن اجيرا يتقاضى راتبا، بل شريكا في حاصل الرحلة.
المادة التاسعة ترسم الترتيب: بعد معرفة مجموع حاصل السفينة، تخرج منه اولا قيمة المأكل ومصاريف البنادر، اي مصاريف الموانئ. ثم يقسم الباقي.
وللنوخذا صلاحيات داخل هذا التقسيم: من قصر في عمله او خالف، يخصم من حقه بقدر تقصيره، ويضاف المخصوم الى اسهم بقية البحرية. ومن تفوق على اقرانه بالعمل، فللنوخذا ان يكافئه، وتكون المكافأة من اصل النول.
الهارب في ميناء بعيد
اقسى مواد القانون هي التي تعالج الغياب، وهي ادق مما يتوقع.
القانون يفرق بين مرحلتين من الرحلة. من تغيب في الذهاب، في موانئ الهند او اليمن او زنجبار، سقط حقه من حاصل السفينة كله، وطولب برد الدراهم التي اخذها على تلك السفرة.
اما من تغيب في الاياب، من مسقط الى احد موانئ الخليج، فيبقى له سهمه من الحاصل، وتسمى حصته القلاطة، لكنه يدفع المزورية، وهي اجرة العامل الذي يحل محله. وحسابها دقيق: يوزع حاصل سهم البحارة على عدد ايام السفر، والناتج لليوم الواحد هو المزورية عن كل يوم غياب.
واذا رست السفينة في ميناء لمدة غير محددة، لزم البحارة بعد نزول النوخذا الا يغادروا قارب النزول وان يكونوا حاضرين حتى يعود. فمن تخلف واضطر النوخذا الى مواصلة السفر، فللنوخذا ان يتركه، وهو غير مسؤول عن نفقاته ولا عن اجرة لحاقه بسفينته. ومن لم يلحق عد هاربا.
لماذا يستحق هذا القانون ان يقرأ اليوم
لان اربعا وستين سنة قبل ان تظهر عقود العمل الحديثة في المنطقة، كان في الكويت نص مكتوب يعرف الوظيفة، ويشترط الكفاءة، ويربط الاجر بالانتاج، ويضع للعقوبة حدا محسوبا بالايام لا بالمزاج.
وهو ايضا صورة اقتصادية دقيقة: مجتمع كل ثروته في البحر، فوضع للبحر قانونا.
ولمن يريد ان يقرأ عن الرجال الذين طبق عليهم هذا النص، انظر النواخذة وأبطال البحر والموانئ الكويتية.
الصورة: سفينة الهاشمي الثانية، اكبر سفينة خشبية بنيت في العالم، الكويت — تصوير Mosbatho عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 4.0
مراجع للاستزادة: نص قانون السفر كما اورده كتاب تاريخ صناعة السفن في الكويت وانشطتها المختلفة للدكتورة نجاة عبدالقادر الجاسم القناعي والدكتور بدر الدين عباس الخصوصي، منقولا عبر منتدى تاريخ الكويت

