جاءت عائلة العثمان الى الكويت من نجد، وهي بيئة لا بحر فيها، فتعلمت البحر حتى صارت من بيوت النواخذة المعروفة. والفرق الذي يستحق الوقوف عنده ان افرادها لم يبقوا بحارة على سفن غيرهم: ملكوا سفنهم، وصار لكل رب عائلة منهم سفينته الخاصة، وتوارثوا المهنة وعلم بعضهم بعضا.
ثم فعلوا بما جاءهم من البحر شيئا يميزهم عن غيرهم، وهو ما تنتهي اليه هذه القصة.
عبداللطيف: ثلاث وثلاثون سنة نوخذة
ولد عبداللطيف سليمان العثمان سنة 1284 هجرية الموافقة لسنة 1867 ميلادية، في فريج سعود. وتعلم في مدرسة الملا سيد هاشم الحنيان قرب السوق: القرآن والقراءة والكتابة وشيئا من الحساب.
وتعلم البحر من خاله النوخذة عبدالعزيز بن عثمان. وعمل في التنوخذة ثلاثا وثلاثين سنة، وصلت سفنه فيها الى شط العرب والخليج والهند وزنجبار وسواحل شرق افريقيا.
الطبق المقير
وقبل كل ذلك بكثير، وهو ابن اربعة اشهر، نزلت امطار شديدة حولت البيوت المتهالكة الى ما يشبه الانهار. فوضعته امه في طبق مطلي بالقار ليطفو فوق الماء الذي وصل الى ارضية الغرفة، ثم تركته لتساعد بقية اهل البيت.
وارتفع الماء واخذ الطبق يتجه نحو حوش المنزل ومنه الى الخارج، فانحشر في الباب وتوقف. وعادت امه فوجدته.
الدقاقة
وفي مقابلة تلفزيونية ضمن برنامج «صفحات من تاريخ الكويت» روى بنفسه ما جرى له في شط العرب: هاجمهم قراصنة يعرفون هناك باسم الدقاقة وهو في رحلة مع خاله، وتبادلوا معهم اطلاق النار حتى نجوا وعادوا الى اهلهم.
وهذه واحدة من التفاصيل التي لا تجدها في كتب البحر العامة: القرصنة في شط العرب كانت جزءا من حساب النوخذة، مثل الريح والمد، لا حادثة نادرة.
تسعة مساجد داخل الكويت واربعة خارجها
هنا تصبح القصة قصة عائلة لا قصة رجل. فعائلة العثمان، بحسب ما جمع من سجلات وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، قطاع المساجد، ادارة الشؤون الهندسية، بنى رجالها ونساؤها تسعة مساجد داخل الكويت، وهو اكبر عدد مساجد بنته عائلة واحدة في البلاد. ولهم خارجها اربعة مساجد، اثنان منها بناهما عبداللطيف وحده.
ومن التسعة مسجد عبداللطيف سليمان العثمان في ضاحية عبدالله السالم، وهو قائم الى اليوم. وفي الضاحية نفسها، في القطعة الثالثة، شارع يحمل اسمه.
النهاية في لندن
سافر الى لندن للعلاج فتوفي هناك، واعاده اهله ليدفن في الكويت في اخر يوم من اغسطس سنة 1973، الموافق للثالث من شعبان سنة 1393 هجرية. وكان عمره وقتها نحو مئة وستة اعوام: عاش القرن الذي تحولت فيه الكويت من مدينة تعيش على الشراع الى دولة نفط.
من اين هذه المادة
وثق سيرة عبداللطيف العثمان حفيده حامد صالح عبداللطيف العثمان. واوسع مرجع في هذا الباب كتاب د. عبدالمحسن عبدالله الخرافي «عائلة العثمان: مدرسة السفر الشراعي في الكويت» الصادر سنة 2003، وله في العائلة نفسها كتاب ثان عن النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان. وللسفر الشراعي عموما كتابا د. يعقوب يوسف الحجي: «نواخذة السفر الشراعي في الكويت» و«صناعة السفن الشراعية في الكويت». وتاريخ الوفاة قوبل بتقويم القرون لصالح محمد العجيري.
وعن العالم الذي عملت فيه هذه العائلة: الطواويش وتجار اللؤلؤ، وكيف كانت تبنى سفينة كويتية، والقلاطة وضريبة الغوص.
الصورة: سفينة شراعية في البحر. تصوير Corvair Owner، رخصة CC BY-SA 2.0 عبر ويكيميديا كومنز.
استقبل المنشورات في بريدك
مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.
يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

