في المطبخ الكويتي القديم كانت الجدة تطلب «القلاص» فياتيها الكوب، وتحرك الشاي بـ«القفشة»، وترسل الغداء للجيران في «السفرطاس». ثلاث كلمات تسمع يوميا في البيت، ولا واحدة منها عربية الاصل.
الباحث د. سعود محمد العصفور نشر في القبس سلسلة بعنوان «دريشة تراثية: المطبخ الكويتي قديما»، احصى فيها عشرات القطع التي كانت في البيوت، ووقف عند اسمائها. والصورة التي تخرج من القائمة اوضح من اي شرح: البيت الكويتي كان يشتري ادواته من الخارج، ويشتري معها الاسماء.
الموقد الذي حمل اسما اجنبيا
«چولة بريمز» هو الطباخ الذي يعمل بالكيروسين، وكان العنصر الاساس في المطبخ قبل الغاز. يرجح العصفور ان اصل «بريمز» انجليزي، ويذكر ان الحطب والفحم سبقاه، وكانت النار توضع تحت القدر على «المركة»، وهي ثلاث ارجل من الحديد الصلب.
ومع الموقد جاءت ادواته: «الدافور» الذي يطلق لهبا كبيرا لاشعال الفحم، و«المنفاخ» من الجلد والخشب لزيادة النار، و«بيب الچاز» لحفظ الكيروسين، وابرة تنظف بها فتحة الاشتعال حين تسدها رواسب الدهن.
الملعقة التي تغير اسمها مرتين
«الخاشوقة» تركية معربة، ويشير العصفور الى انها تصير فارسية ايضا اذا استبدلت الكاف بالقاف. ومعها «القفشة»، ويرجح انها فارسية، وهي الوحيدة التي بقيت حية الى اليوم في «قفشة الشاي». اما الخاشوقة فلا يكاد يذكرها الا بقية الجيل الاول.
ويسجل العصفور ملاحظة مهمة عن الشوكة: انها دخلت المطبخ الكويتي متاخرة، مع ادوات المائدة الحديثة. اي ان الاكل باليد ظل هو الاصل مدة طويلة بعد ان صار الموقد يعمل بالكيروسين.
السفرطاس والبستوق واليونية
«السفرطاس» لفظة تركية معناها ماعون السفر، وهو الاناء متعدد الطوابق، كل طابق صنف. تستخدمه ربة البيت في اهداء الطعام للجيران وفي الرحلات، ويحمله عمال البناء لان الوجبة كلها تدخل في وعاء واحد.
و«البستوق» يرجح العصفور انه هندي الاصل، وهو وعاء من الخزف او المعدن لحفظ السوائل، ويخصص احيانا للاچار او للدهن او للبن في رحلات البر والبحر. و«الدولكة» ابريق للماء والعصير، لفظة معربة عن الفارسية او التركية، ويسميها اهل العراق بالاسم نفسه.
و«اليونية» ــ وتقال ايضا كونية وقونية ــ هي الغرارة من الخيش يحفظ فيها الرز والسكر والملح. اسم واحد بثلاث نطقات، وهي علامة على كلمة دخلت السمع قبل ان تدخل الكتابة.
الخبز لم يكن يخبز في البيت
«التاوة» صاج من الحديد الزهر لصنع الخبز، ويصلح ايضا لشوي السمك. لكن العصفور يسجل تفصيلا يستحق الوقوف: لم تكن كل البيوت الكويتية تستخدمها لهذا الغرض، لوجود الخباز الايراني.
بمعنى ان الخبز في كثير من البيوت كان يشترى لا يخبز، وان مهنة الخبازة كانت قائمة على وافد. وهذه واحدة من الحالات التي يقول فيها اسم الاداة اقل مما يقوله غيابها من الاستعمال.
لماذا حدث هذا كله
العصفور يفتح السلسلة بجملة تشرح الباقي: المطبخ الكويتي قديما تاثر بالمطابخ العراقية والفارسية والخليجية وخاصة البحرينية، وبالهندية اصالة، ثم بتاثيرات شامية وتركية لاحقة. وكانت المنكهات الطبيعية كالزعفران وماء الورد والبهارات الهندية والصينية حاضرة فيه.
هذه ليست مصادفة لغوية. القائمة التي وضعها العصفور تقرا كخريطة تجارة: تركية وفارسية وهندية وانجليزية، وهي الجهات نفسها التي يذكرها في اثر المطبخ. الكلمة تسافر مع القطعة، ثم تبقى في البيت بعد ان تختفي القطعة نفسها.
والدليل ان «القفشة» ما زالت تقال، بينما «الخاشوقة» و«البستوق» و«اليونية» صارت الفاظا يعرفها من عاش تلك المرحلة وحدها.
وعن الاطباق نفسها لا ادواتها، كتبنا سابقا عن المطبخ الكويتي القديم وعن اللقيمات.
المصدر: د. سعود محمد العصفور، سلسلة «دريشة تراثية: المطبخ الكويتي قديما»، جريدة القبس، الاجزاء 1 و2 و4 و5، نوفمبر وديسمبر 2019.
استقبل المنشورات في بريدك
مرة في الاسبوع، اهم ما نشرناه.
يمكنك الغاء الاشتراك في اي وقت.

